قم بزيارة هذه الصفحات

التعليم الفعَّال


كثيراً ما يتحدث المربون عن التعليم الفعّال! فهل هناك شروط معينة أو مواصفات محددة للتعليم الفعّال؟ هل هناك قواعد يتفق عليها المربون تحدد شروط التعليم الفعّال ومواصفاته؟ فلو قلنا مثلاً أن التعليم الجيد هو الذي يبنى على تخطيط جيد فهل هذا يعنى أن مجرد توافر التخطيط الجيد يقودنا إلى تعليم جيد بالضرورة؟ أو قلنا إن التعليم الجيّد يتطلب معلماً يتقن المادة الدراسية! فهل هذا يعني أن اتقان هذه المادة سيعكس بالضرورة تعليماً نشطاً أو تعليماً فعالاً؟

إن هذه الصعوبات قادت المربّين إلى الحديث عن إطار للتعليم الفعّال، باعتبار أن الحديث عن التعليم الفعّال يبسط المشكلة كثيراً ويحصر التعليم في بنية معينة أو محددة. فالحديث عن التعليم الفعّال إذن، يفترض بساطة الموقف التعليمي وتسطّحه شكليته أكثر مما يفترض غنى هذا الموقف وتعقّده وتنوعه، وهذا يعني أن التعليم الفعّال في موقف ما قد لا يكون كذلك في موقف آخر. فالحديث عن التعليم الفعّال هو حديث جزئي يرتبط بموقف معين: بمعلم معين، بطلبة معينين، بظروف معينة، وهذا ما يفسر وجود أنماط عديدة من هذا النوع من التعليم وليس نمطاً واحداً!! فلنستعرض الآن بعض الأطر التي وضعها عدد من المربين للتعليم الجيد أو التعليم الفعّال في ضوء الأدوار المتغيرة للمعلم.

لقد حدد المختصون خصائص وشروط التعليم الفعّال بما يلي:

- استخدام المرونة في طرق التدريس.

- ملاحظة العالم من وجهة نظر المتعلم.

- تقديم تعليم شخصي مباشر يخاطب المتعلم.

- استخدام التجريب.

- إتقان مهارة إثارة الأسئلة.

- معرفة المادة الدراسية بشكل متقن.

- إظهار الاتجاهات الودية نحو المتعلم.

- إتقان مهارات الاتصال والحوار مع المتعلمين.




القواعد التي يتوجب على المعلم الفعّال الالتزام بها

إن من أهم القواعد والأصول التي ينبغي أن يلتزم بها المعلم ليحقق تعليماً فعالاًً للطلبة ما يلي:

أن يكون منضبطاً في مواعيده وتوقيته: فكثير من مشكلات ضبط المعلم لنظام الفصل حضوره متأخراً عن بدء الدرس، بينما التلاميذ يتوافدون على الفصل. وعندما يضبط المعلم موعد حضوره للفصل ويعد للدرس مقدماً قبل حضور التلاميذ، فإنه يحول دون حدوث كثير من مشكلات النظام في القسم. كما أن ضبط الميعاد في نهاية الدرس لا يقل أهمية عن بدايته، فمن أسوأ الأمور ألا ينهي المعلم درسه بطريقة طبيعية في نهاية الموعد المحدد، أو يشغل التلاميذ بالعمل بعد إنتهاء الموعد ما يعطلهم عن موعد بدء الدرس التالي. ومثل هذا السلوك من جانب المعلم يظهره بمظهر المهمل غير المنظم أمام التلاميذ، ويضيع عليهم وعلى نفسه فرصة تلخيص النقاط الرئيسية في الدرس وهو ما يعتبر على جانب كبير من الأهمية للتلاميذ ولنجاح المعلم. كما أن تسرع المعلم في اللحظة الأخيرة في جمع أوراقه ومتعلقاته استعداداً لمغادرة الفصل قد يظهره بمظهر المرتبك ما قد يثير ضحك التلاميذ. ويكون مركز المعلم ضعيفاً عندما يطالب تلاميذه بأن يحرصوا على الانضباط في المواعيد بينما هو نفسه يعطيهم أسوأ الأمثلة على ذلك.. ففاقد الشيء لا يعطيه.

-أن يكون مستعداً جيداً: فمن الأمور المهمة للمعلم جودة إعداد درسه والتخطيط له مسبقاً، والتأكد من توفر كل الأدوات والإمكانيات والأجهزة السمعية أو البصرية التي سيستخدمها في الدرس، وكذلك المواد الاستهلاكية من طباشير وأوراق أو صمغ أو مقصات.. والتأكد من أن التوصيلات الكهربائية سليمة إذا كان سيستخدم أجهزة كهربائية في الدروس العملية.

أن يجيد استخدام صوته: لأن صوت المعلم هو أداته ووسيلته الرئيسية في الاتصال بينه وبين التلاميذ، وهو وسيلته في تعليم التلاميذ ومساعدتهم على التعلم. ومن الضروري إذن أن يجيد المعلم استخدام هذه الوسيلة من حيث الوضوح ونغمة الصوت، وطريقة التعبير. إن أحد الأمور التي يستطيع المعلم أن يمتع بها التلاميذ إجادته لاستخدام صوته حيث يكون حسن الوقع على آذان التلاميذ، ويحمل إليهم من ألوان التعبير عن الأحاسيس والانفعالات والمشاعر ما يحملهم على الاستجابة له. إن المعلم في هذا شأنه شأن الممثل على المسرح يجب أن يحسن طريقة الإلقاء، ويستطيع أي معلم أن يدرب نفسه على ذلك باستخدام شريط تسجيل يسحل عليه صوته ويعدل فيه حتى يجيد ويحسن الإلقاء. فالمعلمة التي تقرأ قصة للأطفال، والمعلم الذي يقرأ شعراً أو نصاً أدبياً أو حواراً معيناً يكون موفقاً في قراءته بمقدار ما يكمن التلاميذ من متابعة قراءته بوضوح ونقل ما فيه من مشاعر وأحاسيس وانفعالات وتعابير.


-أن يكون واعياً منتبهاً بما يحدث في الفصل: فالمدرس الجيد هو الذي يعطي انطباعاً لتلاميذه بأنه يرى بظهره، وأن له عينين في مؤخرة رأسه. فهو يراقب الفصل بعينه بنظرة عابرة شاملة، وقد يتحرك بين الصفوف ويستخدم لغة الإشارة ولغة العيون.

-أن يتفهم ما يحدث في الفصل: فمن المهم للمعلم أن يتوصل إلى فهم الأسباب وراء سلوك التلاميذ في الفصل. وفي ضوء فهمه لهذا، يمكنه أن يتصرف وأن يستخدم الأسلوب المناسب للتعامل معه.

-أن يوزع انتباهه على جميع تلاميذ الفصل: وهذا يعني ألا يقصر اهتمامه على بعض التلاميذ دون البعض الآخر. وقد أثبتت بعض الدراسات أن المعلمين يعطون اهتماماً أكثر ووقتاً أكبر مع تلاميذ معينين أو مجموعة معينة منهم. فالتلاميذ الأذكياء أو المجتهدين قد يكون لهم الحظوة على غيرهم ربما لأنهم أكثر استجابة للمعلم، وأكثر إشباعا لطموحاته. وقد يحدث العكس فيهمل التلاميذ المجتهدين على اعتبار أنهم مجتهدون ويعطي اهتماماً أكبر لغيرهم لحاجتهم إليه. ويترتب على عدم إعطاء المعلم انتباهه لكل الفصل أن التلاميذ الذين يشعرون بعدم الاهتمام ينصرفون إلى أعمال أخرى وأيسرها الإخلال بنظام الفصل لجذب انتباهه واهتمامه. ومن هنا كان من المهم للمعلم أن يكون على وعي بضرورة توزيع اهتمامه على التلاميذ في الفصل توزيعاً عادلاً.

-أن يحسن التصرف في مواقف الأزمات: فقد يحدث في بعض الأحيان، لا سيما في المراحل التعليمية الأولى والابتدائية، وجود بعض المواقف والأزمات التي تتطلب من المعلم حسن التصرف. من هذه الأزمات أو المواقف الحرجة على سبيل المثال، وقوع مزهرية على الأرض وانكسارها، أو وقوع علبة لون سائل أو دهان على الأرض في حصة الرسم، أو كسر كأس زجاجية أو ما شابهها في المعمل، أو إصابة التلميذ بوقوعه على الأرض أو جرح نفسه في درس عملي أو ما شابه ذلك. ومثل هذه المواقف يمكن التعامل معها بهدوء دون الإخلال بنظام الدراسة إذا كان المعلم والتلاميذ على معرفة وعلم بما يتبع عادة في مثل هذه الأحوال. وعندها يمكن التعامل مع الموقف بهدوء حسب مقتضيات الموقف. فإذا كانت المزهرية المكسورة بعيدة عن عمل التلاميذ فيمكن ترك إزالتها إلى ما بعد الحصة، أو يقوم التلميذ التي تسبب في وقوعها بجمع بقاياها ووضعها في أحد أركان الحجرة حتى يمكن التخلص منها فيما بعد. وبالنسبة للدهان قد يستدعي أحد الفراشين لإزالة الدهان وتنظيف أرض الحجرة. وفي حالة إصابة التلميذ فإنه يمكن أن ينقله إلى حجرة طبيب المدرسة، وهكذا…


-أن يساعد التلميذ الذي يواجه مشكلة: قد يقع بعض التلاميذ في مشكلات خاصة بهم، وتسبب لهم إحباطاً شديداً في الفصل تصرفهم عن الدرس مهما حاول المعلم جذب انتباههم إليه. ومع أن هذه المشكلات قد تعني القليل بالنسبة للمعلم إلا أنها تعني الكثير بالنسبة للطفل. فقد يكون التلميذ قد نسي كتابه أو أدواته الدراسية في المنزل، أو أنه لم يتسلمها من المعلمة، أو أن والده لا يستطيع شراءها، أو لم يشترها له بعد، أو قد يكون التلميذ قد تغيب فترة عن المدرسة لمرضه أو لسبب آخر ما يجعل من الصعب عليه مواصلة الدراسة مع زملائه المنتظمين، أو أنه يجلس بعيداً عن السبورة ويجد صعوبة في متابعة الدرس أو له مشكلة مع معلم آخر، أو أن شيئاً قد ضاع منه في الفصل، أو سرق منه، أو يعاني من مشكلة أو أكثر من هذه المشكلات التي يطول شرحها. والتلميذ الذي يعاني من مشكلة أو أكثر من هذه المشكلات يكون قلقاً متوتراً. والمعلم الجيد هو الذي يستطيع أن يكتشف مثل هذا التلميذ وعندها يستطيع أن يساعده على التغلب على المشكلة التي يواجهها بالطريقة المناسبة. فقد يشركه مع زميل له في استخدام كتبه وأدواته مؤقتاً، وقد يجلسه قريباً من السبورة، وقد يتصل بوالده لمناقشة المشكلة معه. وقد يشتري له الأدوات أو الكتب من صندوق تبرعات المدرسة إذا كان غير قادر على سدادها، وقد يرد له ما ضاع أو سرق منه. والمعلم في تفاعله مع هذه المشكلات قد يستخدم إجراءات فورية في الفصل مثل إشراك التلميذ مع آخر أو إجلاس التلميذ قريباً من السبورة. وقد يتطلب الأمر معرفة تفصيلات أكثر عن المشكلة من التلميذ، ويكون مجال ذلك في مكتبه وقت فراغ التلميذ في "الفسحة" أو بين الدروس حيث يكون التلميذ في مأمن من الخوف من ذكر تفصيلات المشكلة أو التحدث عنها. وإلى جانب اهتمام المعلم الفردي بتلميذ له مشكلة، يجب أن يظهر اهتمامه أيضاً بتلاميذ الفصل ككل أو بصفة عامة. فقد يخصص إحدى الحصص أو جزءاً منها لمراجعة الدروس السابقة، ومن خلال استجابات التلاميذ يستطيع أن يتعرف على المشكلات التي يواجهها بعض التلاميذ ويتعامل معها. كما أن التلاميذ في مثل هذا الجو العادي الطبيعي يحسون باهتمام المعلم وعنايته بهم، وأنه مستعد دائماً لمساعدتهم في التغلب على صعوباتهم ومشكلاتهم.

-ألا يقول شيئاً لا يقدر على تنفيذه أو لا ينفذه: من الأمور التي تشين المعلم وتفقده هيبته ومكانته في نظر التلاميذ أن يعدهم بشيء إلا إذا كان متأكداً أنه سينفذه، ولا يستخدم تهديدات أو وعود ثم لا ينفذها أو لا يستطيع أن ينفذها، وإذا حدث لسبب ما أن المعلم وعد بشيء ثم لم ينفذه وجب عليه أن يشرح علنا لكل التلاميذ الأسباب التي أدت إلى عدم تنفيذ الوعود مع تعويضهم بشيء آخر بديل.


-ألا يقارن بين التلاميذ في الفصل: من الأخطاء التي يقع فيها المعلم مقارنته لتحصيل تلميذ في الفصل بتحصيل زميل لـه، وتعليقه على أن أحدهما أقل مستوى من الآخر، لأن ذلك يؤدي بالتلميذ ذي المستوى الأدنى إلى كراهية المعلم ومقاومته، كما أنه يؤدي أيضاً إلى إحداث انقسامات في صفوف التلاميذ ومعاداة بعضهم بعضاً، وهذا بدوره يؤدي إلى مشكلات للإخلال بنظام الفصل. ومن هنا كان على المعلم الجيد أن يتلافى عمل مثل هذه المقارنات، وهذا لا يعني ألا يشيد بالأعمال الممتازة، لأن الموقف مختلف، فالإشادة بعمل تلميذ ممتاز على عكس المقارنة لا تتضمن التقليل من شأن الآخرين، لا سيما إذا كان التلميذ الممتاز له مكانة في الفصل، عندها تكون الإشادة بعمله مطلوبة ليكون قدوة للآخرين.


التعليم الصحيح




يواجه المعلم عادة بعض الصعوبات لدى ممارسته عملية التعليم، وذلك بغض النظر عن خبرته وعدد سنوات خدمته ونوع المادة التي يدرسها، والمرحلة التعليمية التي يؤدي مهامه فيها. وتشكل هذه الصعوبات مشكلات عامة يواجهها المعلمون كافة من وقت لآخر، وتأخذ أشكالاً معينة، كما ترتبط بطبيعة العملية التعلمية ـ التعليمية ذاتها.

وإن اكتساب المعلم للخبرة، يجعله أكثر قدرة على مواجهة مثل هذه المشكلات ومعالجتها، بيد أن ذلك لا يعني نجاح عملية التعليم على النحو الأفضل. فالتقدم التقني السريع والمستمر، يطرح أمام المعلم باستمرار مشكلات جديدة عليه أن يقوم بمواجهتها وإيجاد الحلول لها، الأمر الذي يجعل المعلم في حاجة مستمرة وملحة إلى فهم أفضل للأسس والمبادئ التي تقوم عليها عملية التعليم، حيث يتمكن من تسهيلها وجعلها أكثر نجاحا وفعالية.
 





ويعتبر علم النفس التربوي من المواد الأساسية اللازمة لتدريب المعلمين وتأهيلهم، لأنه يزودهم بالأسس والمبادئ النفسية الصادقة التي تتناول طبيعة التعلم المدرسي، ليصبحوا أكثر فهماً وإدراكاً لطبيعة عملهم، وأكثر مرونة في مواجهة المشكلات الناجحة عن هذا العمل.

ويقوم دور علم النفس التربوي في مجال تدريب المعلمين وتأهيلهم على الافتراض القائل بوجود مبادئ عامة للتعلم المدرسي، يمكن استنتاجها أو اشتقاقها من بعض النظريات التي تبدو صادقة، كما يمكن التأكد من صدق هذه المبادئ على نحو مخبري أو تجريبي، وإيصالها إلى المعلم على نحو فعال، فتزوده بالقدرة على اكتشاف أكثر طرق التعليم نجاحا، وتحرره من الطرق التقليدية السائدة. وكلما كانت تلك الطرق أكثر ارتباطاً بطبيعة عملية التعلم المدرسي، وبالعوامل المعرفية والانفعالية والاجتماعية التي تؤثر فيها، كلما كانت أكثر صدقاً وفعالية.

ولكن ماذا يفعل المعلم في حالة غياب مثل هذه المبادئ؟ إن غياب المبادئ السيكولوجية الصحيحة للتعلم المدرسي يؤدي بالمعلم إلى الاستعانة بأحد البدائل الثلاثة التالية، فقد يعتمد المعلم على القواعد التربوية التقليدية، أو يلجأ إلى تقليد معلميه القدامى وزملائه ذوي الخبرة، أو قد يقوم بعمليات المحاولة والخطأ للوقوف على المبادئ التي تحكم عملية التعلم المدرسي.

ومما لا شك فيه، أن بعض القواعد التربوية التقليدية التي تناقلتها الأجيال، قد صمدت عبر الزمن، وربما تكون صحيحة. بيد أن استمرار «قاعدة» ما، لا يعني صدقها بالضرورة، فالكثير من «القواعد» و«التقاليد» ما زال يسود في العديد من المجتمعات الإنسانية على الرغم من بيان عدم صدقها. ومع ذلك، فإن تطبيق القاعدة التربوية التقليدية، حتى في حال صدقها، يختلف باختلاف الشروط التربوية وبتغيّر الأهداف التعليمية، حيث لا يمكن إتباع أكثر القواعد ثباتاً وصدقاً على نحو أعمى، إذ يجب باستمرار إعادة اختبار هذه القواعد في ضوء الشروط التربوية المتغيرة. ويرى أوزوبل (Ausubel, 1977) أن القاعدة بحكم تعريفها، تصاغ بمصطلحات عامة، لذا لا يمكن وجود قاعدة لكل موقف أو وضع تعليمي يواجهه المعلم. أما المبادئ، فهي أكثر مرونة من القواعد، لأنها أقل تحديداً، ويمكن تبنيها للوقوف على الفروق بين الأفراد والمواقف والظروف فمعظم الأوضاع التربوية، تتطلب نوعاً من التوازن بين عدة مبادئ ذات صلة وثيقة بهذه الأوضاع، أكثر مما تتطلب التطبيق العشوائي لقاعدة تقليدية شائعة. ويستطيع المعلم الفعال إيجاد حلول مناسبة للمشكلات التي تواجهه، باللجوء إلى مجموعة من المبادئ السيكولوجية الصحيحة التي يزوده بها علم النفس التربوي، وذلك عوضاً عن التطبيق الأعمى لقاعدة تربوية تقليدية واحدة.











أما اللجوء إلى محاكاة معلم قديم أو زميل خبير، فقد ينطوي على نوع من الحكمة، ويؤدي إلى الاطمئنان والاستقرار، وبخاصة عند المعلم حديث العهد بمهنة التعليم، أو غير المؤهل تربوياً. بيد أن أسلوب المحاكاة يستلزم وجود نموذج جيد، وألا غدت عملية المحاكاة عائقاً يحول دون التقدم المهني للمعلم، ومهما كان النموذج المحتذى جيداً، فما زال خطر التقليد الأعمى لهذا النموذج قائماً. لذا يجب إعادة النظر في النموذج باستمرار لتكييفه مع الشروط والأهداف التربوية المتغيرة. ولن يكون النموذج في أحسن حالاته، بديلاً عن المبادئ السيكولوجية السليمة التي تحكم عملية التعليم والتي يجب على المعلم اللجوء إليها لتساعده في مواجهة المشكلات الناجحة عن طبيعة عمله.

والبديل الثالث الذي قد يلجأ إليه المعلم غير الملم بمبادئ علم النفس التربوي، هو أسلوب المحاولة والخطأ. إن اكتشاف مبادئ أو طرق التعليم من خلال هذا الأسلوب يعتبر عملاً عشوائياً، ومضيعة للجهد والوقت، دون أي فائدة مرجوة. لذا يجب على المعلم، كما يرى أوزبل أن يبدأ بمجموعة من المبادئ السيكولوجية القائمة ذات العلاقة بالتعليم المدرسي، حيث يختار على نحو عقلاني أفضل الطرق والتقنيات التعليمية الحديثة، عوضاً عن الضياع في متاهات الحدوس الغامضة. فالمبادئ السيكولوجية الصادقة، لا توحي بالعديد من أساليب التدريس الجديدة فقط، بل تستبعد أيضاً كافة المحاولات التي لا تستحق الاختبار، لعدم اتفاقها أصلاً مع المبادئ النفسية التي أكدت البحوث صدقها.

أهداف علم النفس التربوي.

يسعى علم النفس التربوي إلى تحقيق هدفين أساسيين (Gooduim and Klausmeier, 1975) الأول، توليد المعرفة الخاصة بالتعلم والطلاب وتنظيمها على نحو منهجي حيث تشكل نظريات ومبادئ ومعلومات ذات صلة بالطلاب والتعلم. والهدف الثاني لعلم النفس التربوي، هو صياغة هذه المعرفة في أشكال تمكن المعلمين والتربويين من استخدامها وتطبيقها.

يشير الهدف الأول إلى الجانب النظري الذي ينطوي عليه علم النفس التربوي. فهو علم سلوكي، يتناول دراسة سلوك المتعلم في الأوضاع التعليمية المختلفة حيث يبحث في طبيعة التعلم ونتائجه وقياسه، وفي خصائص المتعلم النفسية ـ الحركية والانفعالية والعقلية ذات العلاقة بالعملية التعليمية ـ التعلمية، كما يبحث في الشروط المدرسية والبيئية التي تؤثر في فعالية هذه العملية. ويلجأ علماء النفس التربويون إلى استخدام أنواع مختلفة من مناهج البحث، لتوليد المعارف التي تقع ضمن حقل اهتماماتهم، وتتراوح هذه المناهج بين عمليات الضبط التجريبي التي تتم في المخابر وتتناول الحيوانات وعمليات الملاحظة المباشرة التي تجري في القسم المدرسي وتتناول الطلاب والأطفال.

ويشير الهدف الثاني لعلم النفس التربوي إلى جانبه التطبيقي، فمجرد توليد المعارف ووضع النظريات والمبادئ ذات العلاقة بالتعلم والطالب لا يضمن نجاح عملية التعليم، إذ لا بد من تنظيم هذه المعارف والنظريات والمبادئ في أشكال تمكن المعلمين من استخدامها واختبارها وبيان مدى صدقها وفعاليتها وأثرها في هذه العملية. لهذا، يعمل علماء النفس التربويون على تطبيق ما يصلون إليه من معارف ومبادئ ونظريات على الأوضاع التعليمية المختلفة، ويقومون بتعديلها في ضوء النتائج التي يسفر عنها هذا التطبيق، حيث يطورون العديد من طرق التعليم ووسائله، لتحقيق أفضل النتائج التعلمية.

وبهذين الهدفين لعلم النفس التربوي، يتم تجاوز مشكلة سد الثغرة بين النظرية والتطبيق، لأنه يتضمن هذين الجانبين معاً، فلا هو نظري بحت، كعلم النفس، ولا هو تطبيق محض، كفن التدريس، بل يحتل مركزاً وسطاً بينهما. إلا أن ذلك لا يحول دون استفادة علم النفس التربوي من النظريات والمبادئ والمعارف التي وتولدها فروع علم النفس الأخرى، كعلم نفس النمو، وعلم النفس التجريبي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الإكلينيكي.

ويمكن لعلم النفس التربوي، أن يجمع بذلك أفضل ما تجيء به هذه العلوم من نتائج، وأن يحقق اهتماماً مشتركاً بين الاختصاصي النفسي والاختصاصي التربوي، بحيث يغدو عملهما أكثر فعالية وجودة.





المشكلات التي يواجهها المعلم

يقوم علم النفس التربوي ـ كما ذكر سابقاً ـ بتزويد المعلمين بمجموعة من المبادئ والمعارف تساعدهم على أداء مهماتهم التعليمية بشكل أفضل، وتمكنهم من مواجهة المشكلات التي قد تنجم عن طبيعة هذه المهام، فيجدون الحلول المناسبة لها، ويبتكرون الطرق والوسائل الملائمة التي تسهل عملية التعليم وتجعلها فعالة قدر الإمكان.

ويواجه المعلم عادة عدداً من المشكلات تؤثر في أدائه المهني على نحو أو آخر، بيد أن اهتمام علماء النفس التربويون يتجه في معظم الأحيان نحو المشكلات التي ترتبط بطبيعة العملية التعليمية ـ التعلمية والناجمة عنها، فما هي هذه المشكلات؟ ينصف كيج (Gage, 1979) هذه المشكلات في خمس فئات أساسية تتفق مع طبيعة هذه العملية وجوانبها المختلفة، وهي:

1 ـ المشكلات المتعلقة بالأهداف:

على المعلم أن يبدأ نشاطه التعليمي بتكوين فكرة واضحة عما يريد إنجازه من خلال عملية التعليم، أي يجب أن يقف على الأهداف التي يتوقع من الطلاب إنجازها نتيجة هذه العملية، لذا سيواجه مشكلة اختيار وصياغتها، وطرق تزويد الطلاب بها.



2 ـ المشكلات المتعلقة بخصائص الطلاب:

يتباين الطلاب عادة في العديد من الخصائص الجسدية والانفعالية والعقلية والاجتماعية، الأمر الذي يفرض على المعلم مواجهة مشكلة فهم الطلاب، وذلك من خلال التعرف على قدراتهم المتنوعة، ومستوى نموهم، ونقاط ضعفهم وقوتهم، لتحديد مدى استعداداتهم وقدراتهم على إنجاز الأهداف التعليمية المرغوبة.

3 ـ المشكلات المتعلقة بالتعلم:

يحتاج المعلم من أجل أداء مهمته التعليمية إلى معرفة المبادئ المتنوعة التي تحكم عملية اكتساب المعلومات لدى الطلاب، وتشكل هذه المعرفة تصوراً معيناً لديه من الكيفية التي يؤثر فيهم من خلالها. ولما كانت أنواع السلوك التي يمارسها الطلاب عديدة ومتنوعة، وتحكمها مبادئ تعلمية مختلفة، فسيواجه المعلم مشكلة اختيار مبادئ التعلم التي تتفق مع طبيعة المواقف التعليمية ـ التعلمية المتنوعة، والتي تفرضها عليه شروط النشاط التعليمي الذي يقوم به.

4 ـ المشكلات المتعلقة بالتعليم (التدريس):

يلجأ المعلمون عادة إلى استخدام طريقة أو أكثر من طرق التدريس، وتختلف هذه الطرق باختلاف المواد المدرسية والطلاب والشروط التعليمية الأخرى. ومن المألوف أن يواجه المعلم في هذا المجال مشكلة اتخاذ القرار فيما يتعلق باختيار الطرق والوسائل الأكثر نجاحا، فهل يلجأ مثلاً إلى استخدام طريقة المحاضرة أم المناقشة؟ وهل يستخدم لوحات إيضاحية أم فيلماً تلفزيونياً؟

5 ـ المشكلات المتعلقة بالتقويم:

إن النشاط التعليمي الأخير الذي يقوم به المعلم، هو التقويم. وعملية التقويم هذه، تمكن المعلم من التعرف على مدى التقدم في مجال تحقيق الأهداف التعليمية، ويجابه المعلم في هذه المرحلة من مهمته التعليمية مشكلة اختيار أو تطوير الإجراءات التي تساعده على معرفة هذا التقدم والوقوف على ما إذا كان التعليم يجري على نحو جيد أم لا.

إن استعراض الأنواع المختلفة للمشكلات التي تجابه المعلم أثناء عمله، والمرتبطة بطبيعة هذا العمل، تبين المجالات الأساسية التي يوجه علماء النفس التربوي جهودهم نحوها، وتشكل تصوراً واضحاَ ومعقولاً للموضوعات التي يتناولها هؤلاء العلماء بالدراسة والبحث، الأمر الذي يجعلهم قادرين على تزويد المعلم بالمعلومات والمبادئ والأسس ذات العلاقة الوثيقة بما يقوم به من نشاطات تعليمية مختلفة، والتي تساعده على مواجهة هذه المشكلات وابتكار الحلول المناسبة لها، فما هو موضوع علم النفس التربوي، وما هي المكونات الأساسية لعملية التعلم والتعليم التي تحظى باهتمام الباحثين وجهودهم؟

موضوع علم النفس التربوي

عانى علم النفس التربوي، كغيره من العلوم الأخرى، نوعاً من التطور خلال السنوات الخمسين الماضية، حيث يصعب تحديد موضوعه بدقة تامة، خلال هذه المرحلة من تاريخه، فقد تباينت موضوعات هذا العلم بتباين الباحثين وتباين وجهات نظرهم، كما يعود تباين هذه الموضوعات إلى اختلاف المشكلات الناجمة عن العملية التعليمية ـ التعلمية وتنوعها، وإلى تطور اهتمامات الباحثين والعلماء في ميادين علم النفس الأخرى، الأمر الذي جعل أوزوبل (Ausuble, 1986) يتساءل عن حقيقة وجود ميدان يسمى بعلم النفس التربوي.

ويشير تاريخ هذا العلم وتطوره إلى اتساع ميدانه عبر الزمن، فقد وجه الباحثون اهتماماتهم في الثلاثينيات من هذا القرن نحو الموضوعات المرتبطة بسيكولوجية التعلم والمواد الدراسية كالقراءة والحساب، ولدى انتشار مفاهيم الصحة النفسية والعلاج النفسي ضمن الباحثون في علم النفس التربوي هذه المفاهيم في مؤلفاتهم ودراساتهم، وعاد الاهتمام من جديد في الخمسينات إلى موضوعات التعلم، دون الخوض بمسألة سيكولوجية المواد الدراسية، حيث تركت للمختصين في تدريسها.


التدريس عبر العصور


يحيلنا تاريخ التربية على منشأ التوتر الحاصل اليوم بين المعلم و المجتمع , سواء فيما يتعلق بدوره كممارس , أو بهالة التقدير التي أحيط بها لانتمائه لطبقة اجتماعية مميزة ” كهان , سحرة ….” . ولعل في العودة إلى هذا التاريخ ما يمكننا من تبديد ولونزر يسير من الحيرة التي تنتاب المعلمين ,إزاء ما يتعرضون له في الآونة الأخيرة من قصف إعلامي .
ودرءا لأي تأويل مسبق , فإن الغاية من هذا النبش التاريخي أبعد ما تكون عن السعي لتبرير حقيقة مؤلمة ترزح تحت وطأتها المدرسة العمومية : حقيقة أن تأهيل و إعداد المعلمين لا يستجيب حتما لما يتطلع إليه المجتمع , خصوصا أمام التحديات المعرفية التي ترفعها العولمة .
لم يكن للمعلمين حضور في الأطوار الأولى للمجتمع الإنساني , أو مايسميه الدارسون بالمجتمع البدائي . ذلك أن التربية التي انحصرت في تدريب الطفل على المحاكاة الآلية لعادات الجماعة و أعرافها و نمط حياتها , كان يتولاها المجتمع بأسره , وكان الهدف من التربية محددا و بسيطا : اندماج الفرد في جماعته و الولاء لها .
أما في حضارات بلاد الرافدين فقد كانت الحاجة ماسة للمدارس بعد اختراع الكتابة المسمارية , غير أن أغلبها كان ملحقا بالمعابد و شكل السحرة أوائل معلميها لما عُرف عنهم من براعة في شتى العلوم آنذاك (1) .غير أنها انفصلت مع مرور الزمن لتصبح مؤسسة دنيوية , ويتولى المتخرجون منها مهام التدريس لقاء رواتب يتقاضونها من آباء التلاميذ .
و في بلاد الهند التي شكل الدين لبها , و الطبقية الموروثة صميمها , نشأت مجاميع البراهمة المسماة ” باريشاد” منذ ألف سنة قبل الميلاد , وتولى التدريس فيها معلمون ينتمون لأعلى طبقة في المجتمع و هي طبقة الكهان . كما قامت مدارس في القرى و الأرياف بتأثير من حركة الإصلاح البوذي خلال القرن السادس قبل الميلاد , يديرها مربون من نفس الطبقة و يتولون الإنفاق عليها .
نفس الحضور الطاغي لرجال الدين شهدته بلاد فارس مع فارق مؤلم وهو أن التعليم كان مقصورا على أبناء الملوك و النبلاء . إذ حرصت الدولة على بسط سيطرتها على هذا المجال , و حرمان الطبقات الشعبية من الحق في التعليم (2).
تولى تدريس الأمراء و أبناء الطبقة العليا معلم خاص يشرف على تلقينهم معارف دينية و فكرية تشمل كتاب “الأفستا” و القراءة و الحساب و الشطرنج , كما يهتم بالتربية البدنية ممثلة بالأساس في فنون الحرب كرمي الرمح و ركوب الخيل .
على العكس من ذلك حظي التعليم بمكانة رفيعة لدى حكام الصين القديمة , و انتشرت المدارس في هذه الأمة الضخمة انتشارا مذهلا منذ سنة 2000 ق.م . وحوالي القرن السادس ق.م ظهر في الصين ” كونفوشيوس” وهو حكيم ومصلح أثرت تعاليمه بشكل كبير في الفكر التربوي , كما انتشلت التعليم من الاضمحلال الذي عاشه خلال تلك الفترة بالذات . ولعل من أهم ما خلفته حركته الإصلاحية أن بالغ الصينيون في حرصهم على انتقاء أجود المعلمين لأبنائهم . فكان هؤلاء في الغالب من حلة شهادة الفنون الجميلة , وأحيانا كانوا أرقى من ذلك , و كثيرا ما كان العلماء يفضلون مهنة التعليم على وظائف الحكومة , و لذلك كان المعلم أكثر الناس احتراما بعد حاكم المقاطعة (3)
و نظر المصريون القدماء للتعليم على أنه مهمة يجب على كل من نال حظا ولو يسيرا من العلم و الثقافة أن ينهض بأدائها , و أن كل من تخلف عن ذلك يستحق اللوم و المحاسبة. ومن الآثار التي عُثر عليها في هذا الشأن , نص لحاكم يستعرض فيه جوانب التقصير من لدن مواطن جاءه شاكيا , ومنها تفريطه في واجب التعليم” إنك لم تنطق ساكتا, ولم توقظ جاهلا , و لم تفتح فم من أغلق فمه , و لم تعلم جاهلا , ولم تهذب من خرق” (4) . وهذا ما يفسر غياب معلمين متفرغين تتولى الدولة تعيينهم , فالمهمة هنا يضطلع بها الجميع دون استثناء . إلا أن هذا لا يسري على أبناء الأمراء و الملوك , إذ حظي هؤلاء بمربين يُشرفون على إعدادهم ذهنيا و عمليا للمناصب العليا التي يتولونها.وقد عُثر في الوثائق القديمة على ألقاب خاصة بهؤلاء المعلمين ك “كابويتاح” الذي يعني : معلم أبناء الملوك و ” إرسخو” أي مدير معلمي أبناء الملك (5) .

و رغم أن الحضارة اليونانية تبدو متأخرة بالقياس لحضارات بلاد الرافدين و مصر القديمة إلا أنها وسمت النشاط التربوي الإنساني بميسم خاص من حيث تأكيدها على ضرورة توسيع هامش الحرية الفردية , و إفساح المجال لتفتح الملكات و بلوغ الكمال الروحي و الجسدي . و كانت المدرسة الأثينية أكثر تجسيدا لهذا الطموح من نظيرتها الإسبرطية التي أبدت ميلا واضحا للتربية العسكرية !
شكل السوفسطائيون أول بذرة للتعليم النظامي في أرض اليونان . فهذه الجماعة التي يصفها برتراند راسل بأنها ظهرت على هامش المعارك الفلسفية , سعت من خلال التعليم إلى فض إشكال النظريات المتعارضة للفلاسفة , و التي لم تكن تبشر بقيام أية معرفة على الإطلاق (6) . فاتخذوا من التجوال سبيلهم لتقديم دروس تعليمية احترافية مقابل أجر محدد , و انصب اهتمامهم في البداية على التعليم الأدبي , لكن مع انتشار الدساتير الديموقراطية في القرن الخامس توسع المنهاج ليشمل دروس العلوم و الخطابة و السياسة و فنون إدراة المجالس .
ومع مجيء سقراط حدث انقلاب على المدرسة السوفسطائية التي كانت برأيه معادية للمعرفة و البحث العقلي و للفضيلة . حيث لاقى منهجه القائم على التهكم وفن توليد الأفكار إقبالا من لدن المتعلمين , و سرعان ما انكمش النهج السوفسطائي أمام الطريقة السقراطية القائمة على التبصير بمواطن الجهل ثم تحديد الاتجاه الصحيح نحو التعلم (7) .
أما مع ظهور أفلاطون فإن التربية ستشهد لأول مرة انتظامها في فلسفة جامعة و نظام شامل تُوج بإنشائه ل” الأكاديمة” , وهي المدرسة التي راهن على خريجيها لتحقيق ما نادى به من تعاليم فلسفية في “الجمهورية” .

أما في جزيرة العرب فقد كشفت الآثار عن وجود مؤسسات تربوية في الحواضر , تُعنى بتلقين النشء قواعد اللغة و الحساب , في حين يتلقى طلاب الأقسام العليا دروس الطب و الفلك و الهندسة العملية . بينما لم تشهد البوادي أساليب تعليمية محددة باستثناء ما تتلقفه الأسماع من آداب و معارف يتشربها الأطفال عن طريق المحاكاة (8) . لكن مع ظهور الإسلام و انتشاره سيكتسي التعليم طابعا إلزاميا لاستيعاب حقائق الدين الجديد .
شكلت دار ” الأرقم بن أبي الأرقم ” أول مؤسسة تعليمية أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم , و عنيت بتخريج جيل قرآني يحمل راية التوحيد و سط بركة الوثنية الآسنة . لكن بعد الهجرة سيصبح المسجد , ثم الكتاتيب فيما بعد , قبلة الراغبين في تعلم القرآن و مباديء الشريعة الإسلامية .


بعد الامتزاج الحضاري بشعوب الممالك التي انضوت تحت جناح الامبراطورية الإسلامية , بدت الحاجة ملحة لاستيعاب العلوم الدنيوية من حساب و طب و فلك و غيرها, بيد أن تعلمها كان يتم بشكل فردي إلى حدود منتصف القرن الخامس الميلادي حين افتتحت في بغداد أول مدرسة نظامية ضمن سلسلة مدارس أنشأها الوزيرالسلجوقي ” نظام الملك ” .
أما عن المعلمين فكانوا في البدء يزاولون المهنة ابتغاء الأجر والثواب , لكن مع شروع الحكومات في تشييد المعاهد و التدخل في مناهج التدريس , فقد تم ترتيب المدرسين بأجور منتظمة و سخية حسب الكفاءة و الاقتدار المعرفي , يقول الدكتورعبد الله عبد الدائم ” الحق أن المعلمين كانوا طوائف ثلاثا : معلمي الكتاتيب , و المؤدبين , ومعلمي المساجد و المدارس . ولكل طائفة ظروفها الخاصة , أما معلمو الكتاتيب فقد كان بينهم من احترف هذه المهنة بثقافة ضحلة أو بدون ثقافة , ولذلك كانوا موضعا للهزء أحيانا .. أما المؤدبون وهم معلمو الخاصة , فهناك دلائل و نصوص كثيرة تشهد بمكانتهم و تفيد أن تأديب أولاد الخاصة كان عملا عظيما , يكسب من يقوم به الجلال و يحوطه بإهاب العظمة .. أما المعلمون بالمساجد و المدارس فقد نالوا الكثير من الإجلال و التقدير ” (9).


وإذاكان العلماء و الأدباء و الفقهاء هم من تولوا التدريس في القصور و الجوامع و المدارس , فإن ابن خلدون في حديثه عن الوظيفة الحضارية للعلم , يحض على ضرورة الفصل بين العلم و التعليم , و اعتبار الأخير صنعة مستقلة يُشترط للقيام بها الحذق و الإلمام و مهارة التواصل مع المتعلمين

العنف الأسري



إن العنف الأسري هو أشهر أنواع العنف البشري انتشاراً في زمننا هذا. ورغم أننا لم نحصل بعد على دراسة دقيقة تبيّن لنا نسبة هذا العنف الأسري في مجتمعنا، إلا أن آثاراً له بدأت تظهر بشكل ملموس على السطح ما ينبئ بأن نسبته في ارتفاع وتحتاج إلى التحرك من كافة أطراف المجتمع بصفة سريعة وجدية لوقف هذا النمو وإصلاح ما يمكن إصلاحه.
قبل الخوض أكثر في مجال العنف الأسري علينا أولاً أن نعرّف الأسرة ونبين بعض الأمور المهمة في الحياة الأسرية والعلاقات الأسرية والتي ما إن تتحقق أو بعضها حتى نكون قد وضعنا حجراً أساسياً في بناء سد قوي أمام ظاهرة العنف الأسري.

تعريف الأسرة:
 الأسرة
 هي المؤسسة الاجتماعية التي تنشأ من اقتران رجل وامرأة بعقد يرمي إلى إنشاء اللبنة التي تساهم في بناء المجتمع، وأهم أركانها، الزوج، والزوجة، والأولاد.

أركان الأسرة:
أركان الأسرة بناءً على ما تقدم هي:
(1)  الزوج.
(2)  الزوجة.
(3)  الأولاد.
وتمثل الأسرة للإنسان «المأوى الدافئ، والملجأ الآمن، والمدرسة الأولى، ومركز الحب والسكينة وساحة الهدوء والطمأنينة.
الآن وبعد التحدث عن تعريف الأسرة وتكوينها لننتقل إلى وصف العلاقة الطبيعية المفترضة بين أركان هذه الأسرة.

الرأفة والإحسان أساس العلاقة الأسرية السليمة

 الحب والمودة
 إن هذا النهج وإن كان مشتركاً بين كل أفراد العائلة إلاّ أن مسؤولية هذا الأمر تقع بالدرجة الأولى على المرأة، فهي بحكم التركيبة العاطفية التي خلقها الله تعالى عليها تعد العضو الأسري الأكثر قدرة على شحن الجو العائلي بالحب والمودة.
التعاون
 وهذا التعاون يشمل شؤون الحياة المختلفة، وتدبير أمور البيت، وهذا الجانب من جوانب المنهج الذي تقدم به الإسلام للأسرة يتطلب تنازلاً وعطاء أكثر من جانب الزوج.

الاحترام المتبادل
 لقد درج الإسلام على تركيز احترام أعضاء الأسرة بعضهم البعض في نفوس أعضائها.
من الثوابت التي يجب أن يضعها مدير العائلة "الزوج" نصب عينيه هي "أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل له أي سلطة على زوجته إلاّ فيما يتعلق بالاستمتاع الجنسي، وليست له أي سلطة عليها خارج نطاق ذلك إلاّ من خلال بعض التحفظات الشرعية التي يختلف الفقهاء في حدودها، وتتعلق بخروج المرأة من بيتها دون إذن زوجها".
أمّا ما تقوم به المرأة من الواجبات المنزلية التي من خلالها تخدم الزوج والعائلة فإنه من قبيل التبرع من قبلها لا غير، وإلاّ فهي غير ملزمة شرعاً بتقديم كل ذلك. وإن كان البعض يرقى بهذه الوظائف التي تقدمها المرأة إلى مستوى الواجب الذي يعبر عنه بالواجب الأخلاقي الذي تفرضه الأخلاق الإسلامية.
فإذا عرف الزوج بأن هذه الأمور المنزلية التي تتبرع بها الزوجة لم تكن من صميم واجبها، بل تكون المرأة محسنة في ذلك، حيث أن الإحسان هو التقديم دون طلب، فماذا يترتب على الزوج إزاء هذه الزوجة المحسنة؟
ألا يحكم العقل هنا بأنه يجب على الإنسان تقديم الشكر للمحسن لا أن يقابله بالجفاف؟
إن هذه الحقيقة التي يفرضها العقل هي عين ما أكد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
"هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان"..
إن أقل الشكر الذي يمكن أن يقدمه الزوج للزوجة المحسنة هو "أن يعمل بكل ما عنده في سبيل أن يحترم آلام زوجته وأحاسيسها، وتعبها، وجهدها، ونقاط ضعفها".

مسؤولية الزوج تجاه زوجته:
1- الموافقة، ليجتلب بها موافقتها، ومحبتها، وهواها.
2- وحسن خلقه معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة.
3- وتوسعته عليها.

مسؤولية الزوجة في التعامل مع الأبناء وركزنا في هذا الجانب على مسؤولية الزوجة لأنها الجانب الذي يتعامل مع الأبناء أكثر من الزوج:

1- تزيين السلوك الحسن للأولاد وتوجيه أنظارهم بالوسائل المتاحة لديها إلى حسن انتهاج ذلك السلوك، ونتائج ذلك السلوك وآثاره عليهم في الدنيا، وفي الآخرة.
2- تقبيح السلوك الخاطئ والمنحرف لهم، وصرف أنظارهم ما أمكنها ذلك عن ذلك السلوك، واطلاعهم على الآثار السيئة، والعواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على السلوك المنحرف والخاطئ.
3- تربية البنات على العفة والطهارة، وإرشادهن للاقتداء بالنساء الخالدات، وتحذيرهن من الاقتداء باللاتي يشتهرن بانحرافهن الأخلاقي. كما تحذرهن من الاستهتار، وخلع الحجاب وعدم الاستماع إلى ما يثار ضده من الأباطيل من قبل أعداء الإسلام ومن يحذو حذوهم.
4- الاعتدال في العاطفة وعدم الإسراف في تدليل الأولاد ذلك الذي يقود إلى ضعف شخصية الأولاد، وعدم ارتقائها إلى المرحلة التي تتحمل فيها مسؤولياتها.
5- توجيه أنظار الأولاد إلى المكانة التي يحتلها الأب في الأسرة، وما يجب عليهم من الاحترام تجاهه، والاقتداء به -على فرض كونه رجلاً يستحق الاقتداء به- وذلك كي يتمكن الأب من أداء دوره في توجيه الأولاد، وإصلاح المظاهر الخاطئة في سلوكياتهم.
6- تجنب الاصطدام بالزوج -وخاصة أمام الأولاد- لأنه قد يخلق فجوة بينهما تقود إلى اضطراب الطفل وخوفه وقلقه.
7- وجوب اطلاع الأب على المظاهر المنحرفة في سلوك الأولاد، أو ما قد يبدر منهم من الأخطاء التي تنذر بالانحراف وعدم الانسياق مع العاطفة والخوف من ردة فعل الأب.
8- صيانة الأولاد عن الانخراط في صداقات غير سليمة، وإبعادهم عن مغريات الشارع، ووسائل الأعلام المضللة. من قبيل البرامج المنحرفة والكتب المضللة.
9- محافظتها على مظاهر اتزانها أمام الأولاد وذلك كي لا يقتدي الأولاد بها، لأنهم على فرض عدم قيامها بذلك سيقعون في تناقض بين اتباع ما تقوله الأم، أو تمارسه.

مسؤولية الزوج (الأب) تجاه الأولاد:

1- ضرورة اختيار الرحم المناسب للولد بأن يختار الزوجة الصالحة التي نشأت في بيئة صالحة.
2- تهيئة الظروف المعيشية المناسبة التي تمكنهم من العيش بهناء.
3- حسن اختيار الاسم وهو من حق الولد على أبيه.
4- أن يحسن تعليم الأولاد وتربيتهم التربية الصحيحة، ويهيئهم التهيئة السليمة ليكونوا أبناء صالحين مهيئين لخدمة المجتمع.
5- أن يزوجهم إذا بلغوا.

الآن وبعد تبيان الأسرة وأهميتها وعلاقاتها وحقوق أفرادها نعود للحديث عن موضوعنا الأساسي وهو العنف الأسري:

ولأننا نعلم يقيناً مما سبق ذكره أعلاه أن الأسرة هي أساس المجتمع ومصدر قوته وتفوقه فإننا نؤكد على حقيقة أن العنف الأسري أكثر فتكاً بالمجتمعات من الحروب والأوبئة الصحية لأنه ينخر أساس المجتمع فيهده أو يضعفه.
ومن هنا تأتي أهمية الإسراع إلى علاج هذا المرض قبل أن يستفحل.

لنستعرض الآن بعض مسبباته التي نعرفها:
إن ظاهرة العنف الأسري جاءت نتيجة للحياة العصرية، فالضغط النفسي والإحباط، المتولد من طبيعة الحياة العصرية اليومية، تعد من المنابع الأولية والأساسية لمشكلة العنف الأسري.
والعنف سلوكٌ مكتسبٌ يتعلمه الفرد خلال أطوار التنشئة الاجتماعية. فالأفراد الذين يكونون ضحية له في صغرهم، يُمارسونه على أفراد أسرهم في المستقبل.

كذلك فإن القيم الثقافية والمعايير الاجتماعية تلعب دوراً كبيراً ومهماً في تبرير العنف، إذ أن قيم الشرف والمكانة الاجتماعية تحددها معايير معينة تستخدم العنف أحياناً كواجب وأمر حتمي. وكذلك يتعلم الأفراد المكانات الاجتماعية وأشكال التبجيل المصاحبة لها والتي تعطي القوي الحقوق والامتيازات التعسفية أكثر من الضعيف في الأسرة، وهذا ينطبق أحياناً بين الإخوة والأخوات.

من هم الأكثر تعرضاً للعنف الأسري:
تبيّن من جميع الدراسات التي تجريها الدول العربية على ظاهرة العنف الأسري في مجتمعاتها أن الزوجة هي الضحية الأولى وأن الزوج بالتالي هو المعتدي الأول.
يأتي بعدها في الترتيب الأبناء والبنات كضحايا إمّا للأب أو للأخ الأكبر أو العم.
فبنسبة 99% يكون مصدر العنف الأسري رجل.

مسببات العنف الأسري:
أثبتت الدراسات على مستوى العالم الغربي والعربي أيضاً أن أبرز المسببات وأكثرها انتشاراً هو تعاطي الكحول والمخدرات.
يأتي بعده في الترتيب الأمراض النفسية والاجتماعية لدى أحد الزوجين أو كلاهما.
ثم اضطراب العلاقة بين الزوجين لأي سبب آخر غير المذكورين أعلاه.

دوافع العنف الأسري:

1- الدوافع الذاتية:
وهي تلك الدوافع التي تنبع من ذات الإنسان، ونفسه، والتي تقوده نحو العنف الأسري.

2- الدوافع الاقتصادية:
في محيط الأسرة لا يروم الأب الحصول على منافع اقتصادية من وراء استخدامه العنف إزاء أسرته وإنما يكون ذلك تفريغاً لشحنة الخيبة والفقر الذي تنعكس آثاره بعنف من قبل الأب إزاء الأسرة.
3- الدوافع الاجتماعية:
العادات والتقاليد التي اعتادها مجتمع ما والتي تتطلب من الرجل -حسب مقتضيات هذه التقاليد- قدراً من الرجولة في قيادة أسرته من خلال العنف، والقوة، وذلك أنهما المقياس الذي يبين مقدار رجولته، وإلاّ فهو ساقط من عداد الرجال.
وهذا النوع من الدوافع يتناسب طردياً مع الثقافة التي يحملها المجتمع، وخصوصاً الثقافة الأسرية فكلما كان المجتمع على درجة عالية من الثقافة والوعي، كلما تضاءل دور هذه الدوافع حتى ينعدم في المجتمعات الراقية، وعلى العكس من ذلك في المجتمعات ذات الثقافة المحدودة، إذ تختلف درجة تأثير هذه الدوافع باختلاف درجة انحطاط ثقافات المجتمعات.

نتائج العنف الأسري:


1- أثر العنف فيمن مورس بحقه:
هناك آثار كثيرة على من مورس العنف الأسري في حقه منها:
أ- تسبب العنف في نشوء العقد النفسية التي قد تتطور وتتفاقم إلى حالات مرضية أو سلوكيات عدائية أو إجرامية.
ب- زيادة احتمال انتهاج هذا الشخص -الذي عانى من العنف- النهج ذاته الذي مورس في حقه.
2- أثر العنف على الأسرة:
تفكك الروابط الأسرية وانعدام الثقة وتلاشي الاحساس بالأمان وربما نصل إلى درجة تلاشي الأسرة.
3- أثر العنف الأسري على المجتمع:
نظراً لكون الأسرة نواة المجتمع فإن أي تهديد سيوجه نحوها -من خلال العنف الأسري- سيقود بالنهاية، إلى تهديد كيان المجتمع بأسره.


الحلول:
1- الوعظ والإرشاد الديني المهم لحماية المجتمع من مشاكل العنف الأسري، إذ أن تعاليم الدين الإسلامي توضح أهمية التراحم والترابط الأسري،
2- تقديم استشارات نفسية واجتماعية وأسرية للأفراد الذين ينتمون إلى الأسر التي ينتشر فيها العنف.
3- وجوب تدخل الدولة في أمر نزع الولاية من الشخص المكلف بها في الأسرة إذا ثبت عدم كفاءته للقيام بذلك وإعطائها إلى قريب آخر مع إلزامه بدفع النفقة، وإذا تعذر ذلك يمكن إيجاد ما يسمى بالأسر البديلة التي تتولى رعاية الأطفال الذين يقعون ضحايا للعنف الأسري.
4- إيجاد صلة بين الضحايا وبين الجهات الاستشارية المتاحة وذلك عن طريق إيجاد خطوط ساخنة لهذه الجهات يمكنها تقديم الاستشارات والمساعدة إذا لزم الأمر.

الخلاصة:
إننا عندما نريد أن نربي ونثقف كلا من الولد والبنت نربيهما على أساس أن كلا من الرجل والمرأة يكمل أحدهما الآخر.
فأنوثة المرأة إنما هي بعاطفتها، وحنانها، ورقتها.
كما أن رجولة الرجل إنما هي بإرادته، وصلابته، وقدرته على مواجهة الأحداث.
فالرجل يعاني من نقص في العاطفة، والحنان، والرقة، والمرأة -التي تمتلك فائضاً من ذلك- هي التي تعطيه العاطفة، والحنان، والرقة. ولهذا كانت الزوجة سكناً "لتسكنوا إليها".
والمرأة تعاني من نقص في الإرادة والحزم، والصلابة، والرجل -الذي يمتلك فائضاً من ذلك- هو الذي يمنحها الإرادة، والحزم، والصلابة. ولهذا كان الزوج قيّماً على الزوجة كما يقول تبارك وتعالى:
"الرجال قوَّامون على النساء".
فالتربية تكون إذن على أساس أن المرأة والرجل يكمل أحدهما الآخر.
وهناك طرق ممكن انتهاجها لمساعدة الزوجات والأطفال الذين تعرضوا للعنف الأسري، والخطوة الأولى تكمن في دراسة وجمع ما أمكن من معلومات حول ديناميكية أسرهم.
1- توفير أماكن آمنة للنساء والأطفال يمكنهم الذهاب إليها للشعور بالأمان ولو لوقت يسير ويمكن متابعتهم هناك من قبل المختصين.
2- العمل على تعليم النساء والأطفال على تطوير خطط للأمان لهم داخل المنزل وخارج المنزل.
3- التعاون مع الجهات المختصة برعاية الأسر والأطفال لإيجاد حلول تتوافق مع كل أسرة على حدة.
4- تدريب الأطفال على ممارسة ردود أفعال غير عنيفة لتفريغ الشحنات السلبية التي تولدت لديهم نظر العنف الذي مورس عليهم.
5- تعليم الأطفال على سلوكيات إيجابية بحيث نمكنهم من التحكم بموجات الغضب والمشاعر السلبية لنساعدهم على تكوين علاقات مستقبلية آمنة وسليمة.

تم بحمد الله تعالى وآمل أن أكون قد وفقت في تغطية أغلب جوانب الموضوع الذي يحتاج إلى وقت وجهد أكبر من قبل الجميع، وما قدمته هنا إلا جهد فرد قابل للصواب وقابل للخطأ وكلي ثقة فيمن يطلع عليه في أن يقوّم نقاط الضعف التي فيه.


التكيف





التكيف هو تلك العملية المتفاعلة والمستمرة (ديناميكية) يمارسها الفرد الإنساني شعوريا أو لا شعوريا، والتي تهدف إلى تغيير السلوك ليصبح أكثر توافقا مع بيئته ومع متطلبات دوافعه
ونلاحظ من هذا التعريف النقاط التالية:
1ـ إن التكيف إجراء أو سلوك Behavior يقوم به الفرد في سعيه لإشباع حاجاته والتلازم مع ظروف معينة.
2ـ إن هذا الإجراء أو السلوك يشمل إحداث تغيير في بيئتي الفرد، الذاتية (بناؤه النفسي) والخارجية (الطبيعة والاجتماعية)
3ـ المحيط الذي يتكيف الفرد معه، يقسم إلى ثلاثة أنواع وهي:
أ ـ المحيط الذاتي (الداخلي) وهو البناء النفسي للفرد (شخصيته - حاجاته - دوافعه - اتجاهاته)
ب ـ المحيط الخارجي بقسميه
الاجتماعي (الأسرة، المدرسة، شبكة العلاقات والتفاعل الاجتماعي في المجتمع) والطبيعي المادي (المناخ، الوديان، التضاريس، الأدوات).
ويكون الغلبة في المحيط الذاتي أو النفسي، للتكيف النفسي Psychological Adjustment في حين تكون الغلبة في المحيط الخارجي للتوافق الطبيعي البيولوجي Biological Adaptation إن أبعاد البيئة الثلاثة متداخلة في الواقع وتؤثر جميعها في حياة الفرد وتحدد أسلوب تكيفه معها ويمكننا أن ننظر إلى التكيف من زاويتين، من حيث هو عملية، ومن حيث هو إنجاز.


أولا: التكيف باعتباره عملية Process
حيث يحمل كل فرد حاجات متعددة، ويعمل باستمرار على إشباعها ولو تم إشباعها كلها بطريقة سهلة، لما كان هناك أي سبب لعملية التكيف إن هذه الحاجات والدوافع في الواقع ديناميكية وحركية، إنها تحرك السلوك باستمرار ومن الصعب للفرد إشباعها، وقد يعترضه في ذلك عقبات شتى بعضها ذاتي (داخل الفرد) وبعضها خارجي (من المجتمع والمحيط الطبيعي) وإذا استطاع الفرد إشباع حاجاته فإن حالة التوتر تنتفي عنده ويشعر بالرضا والطمأنينة، وإذا فشل فإنه يبذل محاولات أخرى وأساليب أخرى مثل: الانسحاب، والتبرير، واليأس، أو إتباع أي أسلوب غير سوي (مرضي) وفي هذه الحالة الأخيرة يكون التكيف السيئ دليل اعتلال الصحة النفسية، ودليل اضطراب الشخصية.

ثانيا: التكيف كنتيجة أو إنجاز
أولا كانت نظرتنا للتكيف كعملية، أي السلوكيات وردود الأفعال المتكررة التي تصدر عن الشخص ليحقق الانسجام المطلوب، ولكن الآن ننظر إلى التكيف من حيث أنه نتيجة أيضا فهل هو جيد أم سيئ؟ هل هو حسن أم غير ذلك؟ فإذا كان التكيف حسنا وحقق الانسجام والتآلف المطلوب فإنه دليل على الصحة النفسية، أما إذا كان سيئا ولم يحقق التآلف المطلوب فإنه دليل على الشذوذ النفسي واعتلال الصحة النفسية.

أبعاد التكيف ومجالاته:
يمكن النظر إلى التكيف من حيث أبعاده ومجالاته المتنوعة، كما يلي:
1ـ التكيف الشخصي
ويشمل السعادة مع النفس والرضا عنها، وإشباع الدوافع الأولية (الجوع والعطش والجنس والراحة والأمومة) والثانوية المكتسبة (الأمن والحب والتقدير والاستقلال) وانسجامها وحل صراعاتها، وتناسب قدرات الفرد وإمكاناته مع مستوى طموحه وأهدافه.

*التكيف الاجتماعي
ويشمل السعادة مع الآخرين والالتزام بقوانين المجتمع وقيمه والتفاعل الاجتماعي السوي، والعمل للخير والسعادة الزوجية، والراحة المهنية، ويظهر هذا النوع من التكيف في المجالات التالية:

-في الدراسة
ويطلق عليه اسم التكيف الدراسي، أي نجاح الفرد في المؤسسات التعليمية والنمو السوي معرفيا واجتماعيا، وكذلك التحصيل المناسب، وحل المشكلات الدراسية مثل: ضعف التحصيل الدراسي.


-في الأسرة
ويطلق عليه اسم التكيف الأسري، وهو أن يسود الوفاق بين الزوجين، وأن تكون العلاقات قائمة على المودة والمحبة والتعاون، ويتضمن هذا التكيف منذ البداية ما يسمى بالتكيف الزواجي Marriage Adjustment المتعلقة أساسا باختيار الشريك، وتجانس مستوياتهما الفكرية والثقافية والاجتماعية والعمرية.

-في العمل
ويطلق عليه اسم التكيف المهني Voacational Adjustment ويتضمن اختيار الشخص للمهنة أو العمل الذي يناسب قدراته واستعداداته، وتقبلها، ورضاه عنها، ومحاولاته المستمرة لتطويرها والإبداع فيها وشعوره بالسعادة والرضا أيضا.


*العوامل الأساسية في التكيف
هناك عدد كبير من العوامل المتداخلة في عملية التكيف والمؤثرة فيها، بعضها ذاتي متعلق بالحياة النفسية والبيولوجية والجسمية للفرد، وبعضها الآخر خارجي، من البيئتين، الطبيعية والاجتماعية.



1ـ المهمات النمائية
وهي الأشياء التي يتطلبها النمو النفسي للفرد والتي يتعلمها حتى يعيش بسعادة واطمئنان، ويعبر مرحلة النمو بسلام ولكل مرحلة من مراحل النمو (الطفولة الأولى، والمتوسطة، والأخيرة، والمراهقة، والرشد، والشيخوخة) مطالب خاصة بها وكلما حقق الفرد مطالب المرحلة الأولى السابقة سهل عليه تحقيق مطالب الثانية وهكذا إن عدم تحقيق مطالب النمو التي سنذكرها الآن يؤدي إلى سوء التكيف.

-المهمات النمائية في مرحلة الطفولة

المحافظة على الحياة، تعلم المشي، تعلم الكلام وضبط الإخراج، واللعب، وتعلم القراءة والكتابة والحساب، والمهارات الإدراكية والعقلية اللازمة للحياة وقواعد السلامة، وتكوين علاقات اجتماعية، والتمييز بين الصواب والخطأ.

-المهمات النمائية في مرحلة المراهقة
نمو مفهوم سوي للجسم، وتقبل الجسم والدور الجنسي، وتكوين المفاهيم العقلية الضرورية، وتحمّل المسؤولية، والاختيار للمهنة المناسبة وتحقيق الاستقلال والاستعداد للزواج.

-المهمات النمائية في مرحلة الرشد
تقبّل التغيرات الجسمية، واختيار شريك الحياة، وتكوين الأسرة، وتربية الأطفال، وممارسة مهنة والرضا عنها، وتكوين علاقات اجتماعية.

-المهمات النمائية في مرحلة الشيخوخة
تقبّل الضعف الجنسي، ومواجهة المتاعب التي يمر بها، والقيام بالنشاطات المناسبة، والتكيف مع التقاعد، والاستقلال عن الأولاد، وتكوين علاقات اجتماعية مع رفاق السن.


2ـ الدوافع الأولية والثانوية
الدافع هو حالة جسمية ونفسية داخلية يوافقها توتر داخلي يوجه الكائن الحي نحو أهداف معينة تشبع الدافع وتسد النقص (الحاجة) لكي يعود لحالة السوية.
والدوافع لا يمكن ملاحظتها، وإنما نلاحظها من خلال آثارها ومظاهرها في السلوك، لذلك نسمي الدافع (تكوين فرضي) والدوافع نوعان وهما:

أ ـ دوافع أولية وتسمى عضوية
وهي التي يولد الفرد وهو مزود بها، وإشباعها ضروري للحفاظ على البقاء وهي مشتركة بين الإنسان والحيوان، ومنها: دافع الجوع، والعطش، والجنس، والراحة.

ب ـ دوافع ثانوية
التي تكتسب من البيئة الاجتماعية، وضرورية للتكيف النفسي، ومن هذه الدوافع: الحاجة للحب والتقدير، الانتماء، المعرفة، الاستقلال وبشكل عام يمكن القول: إن إشباع هذه الدوافع له دور هام في عملية التكيف، فإذا فشل الفرد في ذلك كان عرضة للتوتر وعدم الاتزان، وهذا يؤدي مع التكرار إلى اضطرابات نفسية متنوعة، واعتلال الشخصية فعندما لا يشبع الفرد الجوع مثلا، وتطول مدة إعاقته فإن ذلك يؤدي إلى سلوك عدواني لفظي أو جسدي، كما أن عدم إشباع حاجة الطفل للحنان والحب قد يدفعه إلى مرافقة رفاق السوء، أو الانزواء وهكذا.

3ـ العوامل الفسيولوجية
وهي كثيرة بعضها متعلق ببنية الجسم وما يحمله من استعدادات وأمراض، وبعضها ما يطرأ على الفرد من حوادث تؤثر فيه فالوراثة تلعب دورا هاما في ذلك، فقد يحمل الأب استعدادا مرضيا من والديه أو استعدادا للإصابة بعاهة معينة وتنتج العيوب والصفات الوراثية غير المرغوب فيها نتيجة التغيرات التي تحدث في الجينات والكروموزومات ما يؤثر في عملية التكيف ويؤدي لظهور أمراض وراثية وهناك عوامل فسيولوجية متداخلة في التكيف وتعود إلى الغدد ذات الإفراز الداخلي التي تعمل في نمو الفرد وحساسيته وتطور مزاجه، ومنها ما يعود إلى نشاط الجسم وتعبه مما يغلب عليه، أو مما يكون طارئا ثم إن من بين العوامل ما يعود إلى صدمات أو إصابات تنال الرأس وما يضمه، أو تنال جهازا من أجهزة الجسم المتعددة ولعل من اللازم الإشارة هنا إلى ما يحتمل أن ينال الجنين من إصابة أو مرض مما تبقى أثاره إلى فترة الحياة بعد الولادة، وكذلك إلى ما يصيب الأطفال في مطلع حياتهم من أمراض تبقى آثارها في السمع أو البصر أو الجهاز العصبي أو العضلي أو غير ذلك وعن المجرم بالولادة ذكر سيزار لومبروزو Cesare Lombroso فيما كتبه أن هناك أمثلة متعددة تدعم القول بوجود من يولد مجرما، أي من يحمل بناءً جسميا منحرفا يدعو إلى أن يكون مجرما وإذا كان الاتجاه المعاصر يذهب في موقفه من هذه النظرية إلى أنها لا تعتمد على أساس علمي كاف ولا تؤيدها الوقائع، فإن التأكيد ما يزال قائما على وجود مكانة مهمة في التكيف لمجموعة العوامل التي تأتي مع المولود من مرحلة ما قبل الولادة وفي نظريات الأنماط المنطلقة من بناء الجسم في تحديد طبيعة الشخصية وقائع متعددة تدعم مثل هذا التأكيد.

4ـ مرحلة الطفولة وخبراتها
تعتبر مرحلة الطفولة من المراحل الهامة لأنها مرحلة تكوين الشخصية وكل ما يمر به الطفل من خبرات وتعلم ستظهر أثاره في سلوكه وشخصيته لذلك يرجع علماء النفس، والمعالجون النفسانيون إلى هذه المرحلة بالبحث والاستقصاء حين مواجهتهم حالة سريرية فكثير من الاضطرابات النفسية يمكن إرجاعها لمرحلة الطفولة فقد يعاني الطفل حالة من الحرمان من رعاية الأم، سواء كان حرمانا كاملا أم جزئيا، أو حالة خوف مبكر أو أسلوبا سيئا في الأوضاع مثل: (أخذه من السرير بقسوة وقوة حين يبكي، أو عدم احتضانه أو إطعامه بسرعة) فهذه كلها تخلف أثارا سيئة في تكيفه اللاحق إن الكثير من حالات الجنوح والتخلف العقلي والدراسي والإدماني تثبت أهمية مرحلة الطفولة في التكيف وتحديد نوعيته أو نتيجته.

5ـ المظاهر الجسمية والشخصية
وهي المرتبطة بمظهر الجسم وصفاته وما فيه من إعاقات أو أمراض غير مألوفة أو غير مستحبة، مثل الطول المفرط أو القصر المفرط، أو عاهة بالأطراف، أو قبح الوجه، إن كل هذه المظاهر تخلف أثارا واضحة في تكيف الشخص، أبرزها شعوره بالنقص إن هذه المظاهر والعوامل تؤثر بطريقة غير مباشرة لأن العامل المباشر فيها هو تقييم الناس لذلك، أي إدراك الفرد لما يؤثره الآخرون ويفضلونه وما يكرهونه، وإدراكه أن ما يفضله الناس غير موجود عنده ويدخل في هذه العوامل القدرات العقلية، والسمات المزاجية عند الفرد فانخفاض نسبة الذكاء مثلا يؤدي عند الفرد إلى الكثير من حالات سوء التكيف مثل: الانعزال والعدوان، كما أن السمات المزاجية المتعلقة بدرجة التنشيط والكف في الجهاز العصبي وخاصة التكوين الشبكي تلعب دورا هاما في أشكال السلوك التكيفية عند الفرد ولا بد أن نذكر أثر العوامل الاجتماعية، وخاصة المستوى الاجتماعي والثقافي ودور السينما والتلفزيون ووسائل الإعلام عموما وخاصة في العصر الذي نعيشه.

-التكيف في علم الاجتماع
كثيرا ما تستعمل كلمة التكيف في علم الاجتماع حين دراسة تكون العصابات والزمر، وعلاقات الأفراد مع الجماعة، أو علاقات الجماعات الصغيرة مع بعضها أو مع الجماعة الكبيرة فقبول الأفراد أو الجماعات (قبول الراضي أو قبول الخاضع) ما تقول به الجماعة الكبيرة أو تشير به هو عملية تكيف وقبول الطفل تدريجيا ما يطلب منه في المدرسة أو في البيت عملية تكيف، وكذلك الأمر في تكيف المهاجر من بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى جديدة عليه وإن عددا غير قليل من الدراسات الاجتماعية قد جعل من هذا التكيف موضوعا له حين اهتم بدراسة اللاجئين، أو دراسة التمييز العنصري، أو دراسة الكتل الغريبة التي تعيش ضمن مجتمع كبير مختلف عنها في عدد من النواحي

-التكيف في علم النفس
ينظر علم النفس بصورة عامة إلى موضوعه من زاويتين أساسيتين وهما:
الأولى: دراسة الوظائف النفسية المختلفة التي تظهر لدى الإنسان، وهو ها هنا يدرس مثلا، الإحساسات، والدوافع، والعواطف، والمحاكمات، والتعلم، والتخيل، والإدراك، يدرسها دراسة تحليلية ويقصد منها الوصول إلى القوانين أو المبادئ العامة التي تضبط تفسير سير كل منها وهكذا يكون الإنسان مجموعة من الوظائف أو المظاهر أمام هذا النوع من دراسة السلوك.
الثانية: دراسة الإنسان من حيث هو كل يعمل إنها دراسة الإنسان من حيث هو شخصية فريدة تعمل في شروط محيطية، ولا تكون دراسة العناصر التي ينطوي عليها شخصه إلا نوعا من التجريد أو العزل المقصود يذهب إليه الباحث بغية الكشف عن جوانب الإنسان المختلفة، علما بأن هذه العناصر لا توجد أبدا وحدها، وإنما تكون دائما في تعاون مستمر فيما بينها ضمن وحدة الشخصية.

فإذا أخذنا الأمر من الزاوية الثانية، ولاحظنا سلوك الشخصية، رأينا أنها تعمل باستمرار وراء التلاؤم مع شروط العالم الطبيعي، والتكيف مع مطالب الدوافع الشخصية ومطالب العالم الاجتماعي فالإنسان يسعى وراء لباس خاص أمام البرد، ووراء سلوك خاص حين يداهمه الهواء الشديد أو تفاجئه الرياح، أو الأمطار ثم إنه يسعى وراء إشباع عدد من الدوافع التي تظهر لديه على شكل حاجات شخصية، وليست محبة المطالعة إلا واحدة منها، ويسعى كذلك بقوة وراء التكيف فيما يتعلق بما تطلبه الجماعة.